زيٌّ فاضح .. أم فضيحة عقل دولةٍ مراهقة؟!

حيدر ابراهيم علي - 01-12-2017

نشر بتاريخ: 25 ديسمبر 2017

يخرج علينا العالم كل يومٍ باكتشافٍ جديدٍ في العلوم أو لعلاج الأمراض أو تطوير صناعة الطيران أو حماية البيئة، أو بنظرياتٍ جديدة في علوم الاجتماع أو علم النفس، أو ينشغل بمناقشة رؤى جديدة لمرحلة ما بعد الحداثة أو يتحاور حول مدارس جديدة في الفنون المسرحية والموسيقى والغناء ورقص الباليه، أو حتى الجدل في خطط لعب كرة القدم التي يصممها مورينو وزيدان وجواديولا، أو أية موضوعات عامة بعيداً عن الحريات الشخصية .. بينما ينشغل الإسلامويون السودانيون في هذا الوقت بعدد سنتيمترات طول فساتين البنات وملاحقتهن في الشوارع والأماكن العامة!!

عجز الإسلامويون عن تقديم أي مشروع حضاري أو برنامج تنموي للبلاد، ولذلك انشغلوا بالقضايا التافهة والثانوية التي تنمُّ عن صغر عقولهم وخراب نفوسهم وموات أرواحهم. غابت عنهم القضايا الكبرى وكشفوا عن خواءٍ كامل في كل مناحي الحياة .. لقد افتدى السودانيون شعوب العالم الاخرى حين طبقت عليهم أول تجربة اسلاموية في العالم السُّنِّي .. يعكس هذا الاهتمام بموضوعات مثل الزي الفاضح مدى بؤس وركاكة من يتصدون لها وانصرافيتهم وعبثهم، في نفس الوقت الذي يتجاهلون فيه الفقر الذي ضرب الطبقة الوسطى، ويتهربون من توفير الدواء للمرضى والكتب والمقاعد للتلاميذ.

الإسلامويون هم أبناء شرعيون للفكر المأزوم ولِعُقَد الحرمان، فهم في الغالب - بالذات الذين حكموا في السودان - من أُسَرٍ فقيرة (وذلك في حدِّ ذاته ليس عيباً)، ولكن حين يحكم أمثال هؤلاء يكون أمامهم خياران للتعامل مع الفقر: إما الإنحياز لجانب الفقراء والمستضعفين والعمل على تخليصهم من ربقة الفقر من خلال التنمية المنتجة والعدالة الاجتماعية والمساواة وتلبية الحاجات الاساسية المادية والمعنوية، أما الخيار الثاني فهو الخلاص الفردي ومحاولة الانتقام من الفقر الذي عانوا منه في الماضي، ويجعلوا منه رجلاً ليقتلوه عبر الثراء الفاحش والترف المستفز باللجوء للفساد ونهب أموال الشعب المغلوب على أمره .. لقد مال إسلاميو السودان للخيار الأخير، فتطاولوا في البنيان وعمّروا المزارع الخاصة للاستجمام (ارجع لمقابلة قناة النيل الأزرق مع علي عثمان محمد طه في العيد لترى كيف يعيش إبن الأرستقراطية العتيقة).

أما الحرمان الآخر فهو الحرمان العاطفي والوجداني، وهنا يتجه الانتقام نحو المرأة. فالقادرون منهم ينتقمون من خلال تعدد الزوجات، خاصةً صغيرات السن وبنات المدن وصاحبات البشرة الفاتحة (صفراء تسر الناظرين، كما قال الداعية الذي بشّر بفتح أروبا وسبي البلجيكيات والفرنسيات) .. أما غير القادرين فلا يملكون غير العنف واضطهاد المرأة، حيث يأخذ العنف أشكالاً متعددة مثل الإصرار على استمرار ظاهرة الختان الفرعوني - وهي مقابل موضوعي لخصي الرقيق في التاريخ - ثم تغييب المرأة وإلغاء وجودها بإخفائها خلف الحجاب والنقاب، وتعطيل خروجها وحركتها ما أمكن ذلك .. ومعروف أن عملية جلد الآخرين تقع في التحليل النفسي ضمن العقد السادية والتلذذ بإيذاء الآخرين وإيلامهم، وقد يصاحب ذلك في نفس الوقت متلازمة المازوكية (masochism) بسبب التربية القاسية والضرب الذي تعرض له أبناء الفقراء هؤلاء في طفولتهم وسط أسرهم التي يسحقها الفقر .. وقد ثبت أن أغلب أمثال هؤلاء عرضة للإنحرافات الجنسية، وخصوصاً المثلية.

إن معظم الإسلامويين أصحاب ذهنية فرويدية معكوسة، فالجنس يكاد يكون العامل الحاسم في تفسيرهم لكل الظواهر الحياتية .. وأثناء بحثي عن اجتماعية الفتوى عثرت على العديد من الفتاوى التي تظهر خيالاً واسعاً، لكنه مريض. وسألت نفسي كيف فكر هؤلاء في مثل هذه الموضوعات؟ كما في هذه الأمثلة من الفتاوى:

سؤال: أنا أعمل سكرتيرة وأحياناً أكون مع مديري في غرفة مغلقة لوحدنا، فما حكم ذلك؟

رد الشيخ العبيكان: عليكِ أن تقومي بإرضاع مديرك من ثدييك ثلاث مرات بحضور زوجك، عندها تكوني كوالدته ويحق لكما شرعاً الاختلاء لوحدكما دون إثم.
سؤال: أنا مسلم تقي، وأحب السباحة لكنني أخشى أن أسبح في مكان تكون قد سبحن فيه قبلي فتيات يرتدين المايوهات، فهل المياه التي أسبح فيها نجسة لأنها اختلطت بعورات الفتيات؟
رد الشيخ محسن العواجي: عليك يا ولدي أن تكون متفهماً للظروف، فإذا كانت المياه جارية فالسباحة فيها حلال، أما المياه الراكدة التي تظن أن أجساداً عارية وبضة وناعمة سبحت فيها من قبل فالاقتراب منها حرام.

سؤال: أنا فتاة ملتزمة وقد رأيت في منامي أن شاباً وسيماً احتضنني بقوة فابتسمت له، فما هي كفارة ذنبي؟

رد الشيخ إبن عثيمين: الذي احتضنك في المنام هو الشيطان وابتسامتك تعني رضاك عما حدث، لذا يجب التوقف عن النوم لئلا يظهر الشيطان مرة أخرى وتتطور الأحضان والقبلات إلى ما لا يحمد عقباه، وقد سمعت من أحد شيوخنا الأفاضل أن الزنا في المنام قد يؤدي لحمل المرأة سفاحاً خصوصاً إذا كان نومها عميقاً.

سؤال: أعرف شيخاً يقول إن المرأة التي تجلس قبالة التلفاز آثمة لأن المذيع يراها وهي بملابس البيت، فهل هناك طريقة لتجنب الحرام في هذه الخلوة غير الشرعية؟

رد الشيخ فالح الحربي: عليها أن تتدثر جيداً وأن تجلس بزاوية ٤٥ درجة حتى لا يلمحها المذيع أو أي ذكر عبر التلفاز، ومن الأفضل شراء تلفاز بغير صورة تجنباً للوقوع في شِرْكٍ بواح.
(للمزيد من الأمثلة - كتاب فتاوى ومفاهيم خاطئة تنسب للإسلام بسبب أحاديث موضوعة في كتب التراث، من دار الفتوى الوهابية ص ٦-١٩١، الطبعة الخامسة، سنة النشر ١٤٣٣/٢٠١٢).
ظاهرة العداء للمرأة ليست دليلاً على القوة والذكورية الكاملة، بل على العكس محاولة لضعف أمام المرأة، وهنا يكثر الحديث عن الإغواء والإغراء (وأن النساء شياطين خلقن لنا) .. كان عباس محمود العقاد يُلقَّب بالعملاق ويوصف بعدو النساء، ولكننا نجده في روايته (سارة) - التي تروي في الحقيقة سيرته - طفلاً ضعيفاً أمام المرأة، وفِي الواقع سارة هي الفنانة (مديحة يسري) التي لوّعت العملاق في حب من جانب واحد، كما كان هو والعمالقة جميعاً يتهافتون ويتساقطون أمام (مي زيادة).

أما نحن في السودان، فيتحكم في دولتنا مراهقون في أرذل العمر، يعيدون إنتاج دولة ثبتت مراهقتها .. في البرلمان السابق كان هناك نائب حاصل على دكتوراه في الزراعة ولكنه لم يكن يناقش تحسين البذور أو تطوير أنظمة الري، بل كانت كل اهتماماته ومداخلاته عن فضل البنت المختونة على غير المختونة أو عن التعددية الزوجية (لأنهم يخشون التعددية السياسية).
هذا ابتلاء للسودان أن تُسَلَّط عليه دولة مستدامة المراهقة ليس في عقلها مساحة إلا لأشكال لبس الفتيات.



الكاتب: حيدر ابراهيم علي

حيدر إبراهيم علي مفكر وكاتب وعالم اجتماع سوداني تخصص في علم الاجتماع الديني وأفرد جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي. اشتغل كذلك على فكرة التنوير والتحرير. ولد في 11/5/1943 بالقرير. في عام 1992 اسس دكتور حيدر إبراهيم على مركز الدراسات السودانية بالقاهرة. كتب دكتور حيدر إبراهيم على العديد من الكتب و المقالات و منعت السلطات السودانية معظم مقالاته الناقدة لهم كما منعت بعض من كتبه من التداول في السودان كان ما ابرزها: أزمنة الريح و القلق والحرية، سيرة ذاتية، سقوط المشروع الحضاري، أزمة الإسلام السياسي، الجبهة القومية في السودان نموذجاً، الامنوقراطية وتجدد الإستبداد في السودان، كتاب مراجعات الإسلاميين السودانيين كسب السلطة وخسارة الدين...