أَيُّهما أكثرُ إلفةً وأبعدُ ألفَ ميلٍ عن الحلِّ

محمد خلف - 14-09-2020

أَيُّهما أكثرُ إلفةً وأبعدُ ألفَ ميلٍ عن الحلِّ: "هُرَيرة" شرودينغر أم سؤالُه التَّأسيسيُّ بشأنِ الحياة



نحتاجُ إلى جهازِ قياسٍ أو عدَّادٍ إلكترونيٍّ دائمٍ وشفَّافٍ لقياسِ درجةِ مدنيَّةِ الدَّولةِ السُّودانيَّةِ؛ ففي الوقتِ الرَّاهن، يبدو رأسُ الدَّولة، وهو مجلسُنا السِّيادي، وكأنَّه في حالةِ "تراكُبٍ كمِّي"، وهي حالةٌ في الفيزياء الكوانتيَّةِ لا يَتبيَّنُ فيها حالةُ الأنظمةِ الفيزيائيَّةِ إلَّا بقياسِها؛ وحتَّى في حالةِ القياس، ونسبةً لهيمنةِ مبدأ الرِّيبة، الَّذي صاغهُ فيرنر هايزنبيرغ، في مستوى الجُسيْمات دون الذَّريَّة، فإنَّ تدخُّل المُراقِب الَّذي يَقومُ بعمليَّة القياس يُؤثِّرُ في وضْعيَّةِ الجُسيْمات، فيَستعصي بالتَّالي قياسُها. أمَّا في مستوى الدَّولةِ، فإنَّه يُوجدُ، لحُسنِ الحظِّ، مقياسٌ دقيقٌ لا يَخيبُ ولا يَخذِلُ أهلَه.

في منتصف ثلاثينيَّاتِ القرنِ الماضي، صاغَ عالمُ الفيزياء النَّمساويُّ، إرفِن شرودنغر، فرضيَّةً فكريَّة ("غيدانكن إكسبيريمنت") اِبتكرَها خِصِّيصاً لإبرازِ الصُّعُوباتِ الَّتي يُواجهها تفسيرُ كوبنهاجن لميكانيكا الكم، عندما تُطبَّقُ مبادِؤُها على الأشياءِ العاديَّة، بخلافِ الجُسَيْماتِ المُتناهيَةِ الصِّغَر، وهو وجودُها في حالةِ تراكُبٍ كمومي ("سوبربوزِشن")، بحيثُ لا يَتحدَّدُ حالتُها إلَّا عند خُضُوعِها للقياس. وتتلخَّصُ الفرْضيَّة في وضعِ هِرَّةٍ صغيرةٍ في قفصٍ مُحْكَم، بداخلِه قارُورةٌ ملأى بسُمٍّ زُعاف، ومصدرٌ يَبِثُّ جُسَيْماً مُشِعَّاً يلتقِطهُ جهازُ كشفٍ بالقفص، بحيث يُمكِنُ أنْ يُؤدِّيَ الجُسَيْمُ المُشِعُّ إلى تهشيمِ القارُورةِ وانْدلاقِ السُّمِّ الَّذي يَضعُ حدَّاً لحياةِ الهُرَيرة. إلَّا أنَّه، حسب تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم، لا يُمكِنُ معرفةُ ما ألمَّ بالهُرَيرة، أهيَ حيَّةٌ تسعى بداخلِ القفص أم أنَّها فارقتِ الحياةَ بغيرِ رجعةٍ، وذلك لارتباطِ حالتِها بالجُسَيْمِ المُشِعِّ الذي لا تُعرَفُ حالتُه إلَّا بانْهيار "الدَّالَّةِ المَوجِيَّة" بحُدُوثِ القياس، وهو هنا جهازُ الكشفِ نفسُه؛ فإذا كانتِ الهُرَيرةُ حيَّةً، فإنَّها لن تتذكَّرَ أنَّها كانت ميِّتةً، عندما كانت في حالةِ "تراكُبٍ كمِّي"!

لحُسنِ الحظِّ، فإنَّ قياس مدنيَّةِ الدَّولةِ السُّودانيَّة لا يَحتاجُ إلى كلِّ ذلك التَّعقيد، فمن السُّهُولة بمكان معرفةُ ما إذا كانتِ الدَّولةُ مدنيَّةً أم عسكريَّة. ومعرفةُ ذلك لا تَتمُّ بمقياسٍ سطحيٍّ يُحدِّدُهُ عددُ المدنييِّن في المجلسِ السِّيادي أو إلى مَن تَؤولُ له رئاستُه: أهيَ لأحدِ المدنيِّينَ أم هيَ لواحدٍ من العسكريِّين؟ ليس ذلك هو المقياسُ الصَّحيح، إذْ إنَّه يُوجَدُ فقط تحت السَّطح، وقد أشار إليه رئيسُ الوزراء في خطابِهِ بمناسبة الذِّكرى الأُولى لتشكيلِ حكومتِهِ المدنيَّةِ بقوله: "إنَّ وزارة الماليَّة تتولَّى التَّحكُّم في ١٨٪ فقط من المال العام". نحتاجُ إلى اِستدامةِ هذا القَدْرِ من الشَّفافيَّة بنَصْبِ لوحةٍ إلكترونيَّةٍ في ميدانٍ عامٍّ تُوضِّحُ مآلَ هذه النِّسبة لعمومِ أهلِ البلاد، الَّذين لا أظنُّ أنَّه سيَهدأُ لهم بالٌ إلَّا بوُقُوفِ المُؤشِّرِ عند ٩٠٪ فما فوق (هذا إنْ لم تنكسِرْ أمام أعيُنِهم، إبرتُه تماماً عند ١٠٠٪).

نحتاجُ أيضاً إلى جهازِ قياسٍ أو عدَّادٍ إلكترونيٍّ دائمٍ وشفَّافٍ لقياسِ حياةِ المواطنين أنفسِهم داخل الدَّولةِ الَّتي تسعى بنُبلٍ فائقٍ إلى تحقيقِ مدنيَّتِها الكاملة؛ ففي الوقتِ الرَّاهن، يَضطَّربُ الأمرُ وتَنبَهِمُ مسالِكُ الدُّرُوب، ولا يَتبيَّنُ الخيطُ الأبيضُ لفجرِ الحياةِ من دُكْنةِ الموت؛ فاليأسُ الَّذي ملأ النُّفُوسَ، منذ العهدِ البائسِ وإلى سَحابةِ هذا اليوم، قد جعل الفَرقَ مُتلاشيَاً في سُحُبٍ يوميَّةٍ مُتلاشيَة: "أرَحْ مارقة؛ موت وحياة بِقتْ متساويةْ ما فارقة". هذا إضافةً إلى حالةِ الشُّهداء الَّذين يَنامون يوميَّاً في أسِرَّتنا ويَشربون معنا قهوةَ الصَّباح؛ والمُختفين الَّذين تَرِفُّ قلوبُنا لِمَقدِمهم مع كلِّ رنَّةِ هاتفٍ وكلِّ طرْقةِ بابٍ، بدءاً من صاحب "ضَجَّة الشُّوقْ"، وانْتهاءً بالَّذين تَوارَوا عن أعيُنِنا، فلم تَشملْهم قائمةُ الضَّحايا في ساحةِ الٖاعتصام أو مَنِ اِنتُشلتْ جُثثُهمُ الطَّاهرةُ من قاعِ النَّهر. ففي ختامِ تحقيقٍ لها، خلُصتْ صحيفةُ "المَواكِب" إلى القول إنَّ "اِمتدادَ فترةِ غيابِ الشَّاعر المُبدِع "غفاري" جعلتْ أُسْرتهُ وأصدقاءهُ [متأرجحينَ] بين الشَّكِّ واليقين [بشأنِ] عودته إليهم مرَّةً أخرى؛ فبينما ظلَّ شقيقُه "محمَّد" على يقينٍ برُجُوعِ أبي ذرٍّ، وأنَّه لايزالُ يعيشُ في مكانٍ ما وحتماً سيعودُ، ظلَّتْ شقيقتهُ "إخلاص" بين أمرَينِ: رجَّحتِ الأوَّلَ، وهو أنَّ شقيقها تمَّتْ تصفيتُه".

في أوائلِ أربعينيَّاتِ القرن الماضي، ألقى عالِمُ الفيزياء النَّمساويُّ، إرفِن شرودنغر، عدداً من المحاضراتِ المُسلسَلةِ تحت عُنوان: "ما هيَ الحياة؟". وقد خلُص فيها إلى أنَّ الإجابةَ على هذا السُّؤال يحتاجُ إلى نوعٍ جديدٍ من الفيزياء، علاوةً على ميكانيكا الكم الَّتي تمَّ اختراعُها مُؤخَّراً في منتصف عشرينيَّاتِ ذلك القرنِ المُكدَّسِ بالفُتُوحاتِ العِلميَّة؛ وفي تلك الفيزياء المقترَحةِ، ينبغي البحثُ عن جُزيْئٍ تَتشفَّرُ فيه بكيفيَّةٍ ما، الخصائصُ الَّتي تُؤدِّي إلى إِعادةِ إِنتاجِ الكائناتِ الحيَّةِ لنفسِها. وقد لقِيتْ هذه المُحاضراتُ الَّتي أُلقيَتْ في كليَّة ترنتي بإيرلندا اِهتماماً كبيراً من قِبَل الفيزيائيِّين، الَّذين أخذوا يُهاجِرون زُرافاتٍ ووُحدانا إلى علمِ الأحياء؛ وكان مِن بينهم، كلٌّ من البريطانيِّ فرانسيس كريك والأمريكيِّ جيمس واتسون، الَّلذانِ اِكتشفا بعونٍ من موريس ويلكنز وروزاليند فرانكلين الحَلزُونَ المُزدَوجَ الحاوي للجُزيْئِ الَّذي أشار إليه شرودنغر، وهو ما عُرِفَ لاحقاً بالحامضِ النَّووي الرِّيبي منقوصِ الأكسجين ("دِيْ إنْ إيْه"). وقد جاء عن واتسون أنَّه وزميله كريك دخلا بعد الٖاكتشاف مباشرةً إلى حانَتهِما المعهودةِ، وهو يَصرُخُ قائلاً بملءِ فمه، وعلى مرأًى ومسمَعٍ من الرُّوَّاد الَّذين اكتظَّت بهم حانة "النِّسر" في كيمبردج: "قد اِكتشفتُ سِرَّ الحياة". أجل؛ قد كانت خطوةً عملاقةً في طريق الإجابةِ على سؤالِ شرودنغر التَّأسيسيِّ، ولكنَّها أبعدُ ألفَ ميلٍ عن إِماطةِ الِّلثام.

تَتعدَّدُ أشكالُ الحياةِ وتَتعقَّدُ في طريق تدورُنِها الَّذي استغرقَ أكثرَ من أربعةِ بلايين عامٍ منذ انبثاقها على ظهرِ هذا الكوكب. إلَّا أنَّ باطنَهُ يَعُجُّ أيضاً بمظاهرِ الحياة؛ ويَتَّخذُ أغلبُها شكلَ كائناتٍ تَدَورَنتْ لتوِّها من جُزيْئاتٍ عُضْويَّة إلى كائناتٍ حيَّةٍ دقيقةٍ، ذاتيَّةِ التَّوالد، إلى أنْ أَنشأتْ لها غِشاءً حول خَلِيَّتها الواحدة. ومثلُما تمكَّنَ الغِطاءُ النَّباتيُّ للكوكب من تحويل أشعَّةِ الشَّمسِ إلى طاقةٍ كهربائيَّةٍ عن طريق عمليَّةِ التَّمثيلِ الضَّوئيِّ، تمكَّنتِ البكتيريا في باطن الأرض من اسْتخلاص الموادِّ الكيماويَّةِ النَّاتجةِ عن الإشعاع، وبناءِ كُتلةٍ حيَّةٍ باستغلال العناصرِ المُذابةِ في الماء الحارِق المنتشِر في مَسَامِّ الصُّخور. وربَّما تُوجَدُ أشكالٌ للحياةِ في ظُروفٍ أكثرَ قسوةً على ظهرِ المريخ أو أيِّ قمرٍ من أقمار زُحل.

وفي السُّودان، تتَّسمُ الحياةُ بأقسى أنواع الظُّرُوفِ المُحتمَلةِ على ظهرِ الأرض. فبالإضافة إلى خُماسيَّةِ عركي المُرعِبة (الجوع، المرض، الخوف، الشَّك، عدم الاِطمئنان)، يَنتشرُ الدَّجَل، وفسادُ السَّاسةِ والحُكَّام، وتَتعقَّدُ تبِعاتُ الحُرُوب الأهليَّةِ والقبليَّةِ، وتَتصاعدُ أسعارُ السِّلعِ والمُضارَبةُ في العملات، ويَتفاقمُ التَّخريبُ المتعمَّدُ، وتهريبُ المعادنِ النَّفيسة، ويُفلِتُ ذوو النُّفُوسِ الضَّعيفة من العِقاب. وفوق ذلك كلِّه، تأتي السُّيُولُ والفيضاناتُ، وجائحةُ الكرونا، والعواصفُ التُّرابيَّةُ الحمراء. ومع ذلك، تَمتليءُ الصُّدُورُ بالأمل. فإنسانُ السُّودانِ مُدجَّجٌ بالتَّفاؤُل، وهو قادرٌ على التَّماسكِ في أحلك الظُّرُوفِ، وانتزاعِ الابتسامةِ من براثنِ الغضب.

من وحي هذا التَّفاؤلِ، فإنَّنا نُدركُ تماماً أنَّ هُرَيرةَ شرودينغر داخل القفصِ ستكونُ حيَّةً تُرزَق، لأنَّنا نَسمَعُ بحسٍّ إنسانيٍّ مُواءَها الكتيم: نياو .. نياو .. نياو. ومن وحي نفْسِ هذا التَّفاؤل، فإنَّنا نُدرِكُ تماماً أنَّ حكومتَنا المدنيَّةَ قادِمةٌ ساعةً فساعة، لأنَّنا نسمعُ بحسِّ الثَّورةِ، قبل قياسِ العدَّاداتِ، هُتافاتِ المقاومةِ الشَّعبيَّة: مدنياو ..مدنياو.. مدنياو.